محمود بن حمزة الكرماني

31

اسرار التكرار في القرآن

ضلال يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ « 1 » . من هنا كان وجه من وجوه عظمة القرآن ، هو : أن يجمع بين البيان والإعجاز ، فلا تكون الآية الدالة على صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم منفصلة عن البيان كما كان ذلك في رسالة موسى وعيسى ، إذ كانت آيات موسى التسع ، وإحياء المسيح للموتى شيئا منفصلا تماما عن صلب التوراة والإنجيل . . أما القرآن فلمّا كان مصدقا للتوراة والإنجيل ومهيمنا عليهما ، وجامعا لحقائقهما ، فقد اجتمع في صلبه البلاغ المبين ، والإعجاز القائم مدى الدهر ، وما ذاك إلّا لأنه كتاب لم ينزل لهداية العرب خاصة ، وإنما نزل لهداية البشرية كلها في عصر الرسول صلى اللّه عليه وسلم وبعد عصره وإلى أن تقوم الساعة ، فلو انفصلت آية صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن نفس القرآن كما حدث في الرسالات السابقة ، فمن الذي كان يأتي الناس بهذه الآية التي هي المعجزة بمعناها الاصطلاحي الآن ؟ يعنى : أنه إذا ارتاب قوم في صدق النبي صلى اللّه عليه وسلم في عصرنا الحاضر ، فمن أين نأتى بالرسول صلى اللّه عليه وسلم ليطالبوه بمعجزة مادية تدل على صدقه ؟ ولهذا كان القرآن نفسه بيانا ومعجزة في آن واحد ، ولم تكن مادة إعجازه شيئا واحدا بحيث لا تلائم إلّا عصرا واحدا أو مجموعة من الأجيال بعينها ، بل كانت مواد إعجازه كامنة في أطوائه ، وكلما تقدم المنكرون الجاحدون في العلم المادي انكشف من وجوه إعجازه وجه يقمع ضلالات الكفر ، ويهدى إليه الآلاف المؤلفة في كل عصر ، وهو ما نشهده الآن وقبل الآن ، وما ستشهده الأجيال بعد الآن بإذن اللّه . وقد أشار الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى هذا المعنى في حديث أخرجه البخاري عنه قال : « ما من الأنبياء نبي إلّا أعطى ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه اللّه إلىّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا » . قالوا في معناه : إن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم ، فلم

--> ( 1 ) سورة البقرة : 26 .